عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

178

اللباب في علوم الكتاب

اشتروها بملء مسكها ذهبا ، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير . ذكر مكي : أن هذه البقرة نزلت من السماء ، ولم تكن من بقر الأرض قاله القرطبي . وزاد الماوردي : ثم فرق ثمنها على بني إسرائيل ، فأصاب كل فقير دينارين ، وروي أنهم طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة . فصل في سبب تثاقلهم اختلفوا في السبب الذي كان لأجله « ما كادُوا يَفْعَلُونَ » ، فقيل : لأجل غلاء ثمنها ، وقيل : لخوف الشهرة والفضيحة ، وعلى كلا القولين فالإحجام عن المأمور به غير جائز . أما الأول فلأن ذبح البقرة ما كان يتمّ إلا بالثمن الكثير فوجب ؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، إلّا أن يدل دليل على خلافه . وأما خوف الفضيحة فلا يدفع التكليف ، فإن القود إذا وجب عليه لزمه تسليم النفس من وليّ الدم إذا طالب ، وربما لزمه التعويض ليزول الشر والفتنة ، وإنما لزمه ذلك لتزول التّهمة عن القوم الذين طرحوا القتيل بالقرب منهم ، لأنه الذي عرضهم إليه ، فيلزمهم إزالتها ، فكيف يجوز جعله سببا للتّثاقل في هذا الفعل . قوله تعالى : « وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها » . أعلم أن وقوع ذلك القتل كان متقدما على الأمر بالذبح ، فأما الإخبار عن وقوع ذلك القتل ، وعن ضرب القتيل ببعض البقرة ، فلا يجب أن يكون متقدما في التلاوة في الأول ؛ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود ، فأما التقدم في الذكر فغير واجب ؛ لأنه تارة يتقدّم ذكر السبب على الحكم ، وتارة على العكس ، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم اللّه - تعالى - بذبح البقرة فلما ذبحوها قال : وإذ قتلتم نفسا من قبل ، واختلفتم وتنازعتم ، فإني أظهر لكم القاتل الذي [ سترتموه ] « 1 » بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة . وذلك مستقيم والواو لا تقتضي الترتيب . قال القرطبي : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ هود : 40 ] إلى قوله : « إِلَّا قَلِيلٌ » فذكر إهلاك من هلك منهم ، ثم عطف عليه بقول : وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [ هود : 41 ] فذكر الركوب متأخرا ، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك ، ومثله في القرآن كثير ، قال تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً [ الكهف : 1 ، 2 ] أي : أنزل على عبده الكتاب قيّما ولم يجعل له عوجا فإن قيل [ هب أنه ] « 2 » لا خلل في هذا النظم [ ولكن النظم ] « 3 » الآخر

--> ( 1 ) في ب : ستدعون . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في أ .